أبو حامد الغزالي
99
محك النظر
الفن الثالث من المقاصد [ الفصل الأول ] في بيان المقدمات الجارية من القياس مجرى الثوب من القميص والخشب من السرير ، فإن ما ذكرناه جرى مجرى الخياطة من القميص وشكل السرير من الخشب ، وكما لا يمكن أن يتّخذ من كل جسم سيف وسرير وقميص ، إذ لا يتأتّى من الخشب قميص ولا من الثوب سيف ولا من السيف سرير فكذلك لا يمكن أن يتّخذ من كل مقدمة وقضية قياس منتج ، بل القياس المنتج لا ينصاغ إلا من مقدمات يقينية إن كان المطلوب يقينيا أو ظنيا إن كان المطلوب فقهيا ، فلنذكر معنى اليقين في نفسه لتفهم ذاته ولنذكر مدركه لتفهم الآلة التي بها نقتنص اليقين . وهذا وإن كان القول يطول فيه ولكنا نحرص على الإيجاز بقدر الإمكان . أما اليقين فلا تعرفه إلا بما أقوله وهو أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت فلها ثلاثة أحوال : أحدها : أن تتيقن وتقطع به وينضاف إليه قطع ثان وهو أن يقطع بأن قطعه به صحيح ويتيقن بأن يقينه لا يمكن أن يكون فيه سهو ولا غلط ولا التباس ، ولا يجوز الغلط لا في تيقنه بالقضية ولا في تيقنه الثاني بصحة يقينه ، ويكون فيه آمنا مطمئنا قاطعا بأنه لا يتصور أن يتغير فيه رأيه ولا أن يطّلع على دليل غاب عنه فيغيّر اعتقاده ، ولو حكى نقيض اعتقاده عن أفضل الناس فلا يتوقف في تجهيله وتكذيبه وخطأه ، بل لو حكى له أن نبيا مع